يوليو 29, 2026

AL manbar

AL MANBAR المنبر جريدة إلكترونية يومية بالمغرب

اكتشاف أثري يكشف عن أقدم مركب زراعي واسع النطاق في إفريقيا خارج وادي النيل

أُعلن في منطقة واد بهت، قرب مدينة الخميسات المغربية، عن اكتشاف أثري غير مسبوق لمركب زراعي واسع النطاق يعود إلى الفترة ما بين 3400 و2900 قبل الميلاد، مما يجعله الأقدم من نوعه في إفريقيا خارج وادي النيل. هذا الاكتشاف، الذي يُعد محطة فارقة في الدراسات الأثرية لشمال غرب إفريقيا، يعيد رسم ملامح تطور المجتمعات الزراعية المبكرة في المنطقة ويقدم أدلة جديدة على أهمية المغرب الكبير في التاريخ القديم للبحر الأبيض المتوسط

الاكتشاف جاء نتيجة أبحاث فريق دولي يقوده المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط، بالتعاون مع المعهد الإيطالي لعلوم التراث الثقافي التابع للمجلس الوطني للبحوث وجامعة كامبريدج البريطانية. كما شارك معهد ماك دونالد للأبحاث الأثرية بجامعة كامبريدج والمعهد الإيطالي للشرق الأوسط والأقصى في هذه الأبحاث، التي نُشرت نتائجها في المجلة العلمية Antiquity.

يشير هذا المركب الزراعي إلى فترة زمنية لم تكن موثقة بشكل جيد في شمال غرب إفريقيا، حيث يمتد على مساحة تقارب 10 هكتارات، وهي مساحة تقارب حجم مدينة “طروادة” الإغريقية من العصر البرونزي المبكر. وتكشف الحفريات عن أدلة جديدة تسلط الضوء على استيطان المجتمعات الزراعية في المغرب الكبير بين الألفية الرابعة والثالثة قبل الميلاد، وهي فترة كانت المعرفة بشأنها محدودة للغاية

وفقًا لعالم الآثار المغربي يوسف بوكبوط وزملائه، بما في ذلك سيبريان برودبانك من المملكة المتحدة وغيليو لوكاريني من إيطاليا، يعد هذا المركب الزراعي دليلاً على تطور نظم زراعية مستقرة في المغرب الكبير خلال فترة العصر الحجري الحديث المتأخر. تشير الاكتشافات إلى وجود نباتات وحيوانات مدجنة، وهي أدلة تعزز الفهم المتزايد لدور المغرب الكبير في تطوير النظم الزراعية المبكرة.

ومن بين الاكتشافات البارزة في الموقع، تم العثور على مجموعة متنوعة من الأدوات الأثرية، مثل الأواني الخزفية المزخرفة ذات الألوان المتعددة، والفؤوس المصقولة، وأدوات الطحن، والعديد من الأدوات الحجرية الأخرى. كما كشفت الحفريات عن وجود حفر تخزين عميقة، التي كانت تستخدم على الأرجح لحفظ المواد الزراعية والمخزون الغذائي لفترات طويلة

تشير الأدلة أيضًا إلى وجود صلات تجارية وثقافية بين هذا الموقع الأثري ومواقع معاصرة في شبه الجزيرة الإيبيرية. عُثر على قطع عاج وبيض نعام، وهما من المواد الفاخرة التي كانت تتداول بين إفريقيا وأوروبا عبر مضيق جبل طارق، مما يؤكد وجود اتصالات تجارية مبكرة بين الضفتين. وهذا يعزز الفرضية القائلة بأن المغرب الكبير كان جزءاً من شبكات تجارة معقدة تربط بين إفريقيا وأوروبا خلال الألفية الرابعة والثالثة قبل الميلاد

تُعد هذه الفترة الزمنية بين 4000 و1000 قبل الميلاد في شمال غرب إفريقيا من أكثر الفترات غموضًا في التاريخ القديم للمنطقة. ففي حين أن هناك العديد من الاكتشافات التي وثقت الحضارات التي ظهرت في فترات العصر الحجري القديم والعصر الحديدي والفترات الإسلامية، فإن المعلومات حول الفترة الوسيطة كانت محدودة جدًا.

هذا الاكتشاف الأثري يعزز فهمنا لتلك الفترة المفقودة من التاريخ، حيث يوضح الدور الذي لعبته المجتمعات الزراعية المبكرة في استقرار وتطور السكان في المنطقة، بالإضافة إلى مساهمتهم في تشكيل شبكات التجارة والتبادل الثقافي مع مناطق بعيدة مثل شبه الجزيرة الإيبيرييسلط هذا الاكتشاف الضوء على أهمية المغرب الكبير في التاريخ الأثري لمنطقة البحر الأبيض المتوسط، حيث لم يكن مجرد منطقة عبور أو انعزال، بل كان محورًا هامًا للتجارة والتبادل الثقافي خلال العصور القديمة. يقدم المركب الزراعي المكتشف في واد بهت رؤى جديدة حول تطور المجتمعات الزراعية، ويساهم في ملء الفجوات في المعرفة حول شمال غرب إفريقيا خلال الفترة ما بين الألفية الرابعة والثالثة قبل الميلاد، مما يجعله اكتشافًا أثريًا ذا قيمة كبيرة على الصعيدين الإقليمي والدولي.

About The Author